مرزبان بن رستم بن شهريار ( تعريب : أحمد بن محمد ابن عربشاه )
184
مرزبان نامه
القلب والفكر لا تراقب إلى ما بين يديك ولا تنظر ماذا أمامك إليك أم عليك ؟ فإذا أدهمك ما أدهاك عجز عنه نهاك فلا تشعر إلّا وقد وقعت وفي حفر المهالك قد نزلت وانخرق ما رقعت فلا يمكنك التلاف إلّا وأنت رهين الإتلاف ، وأما أنا فمراقب دائما ما يصير من العواقب وأميز أمامي الطريق أسهل أم حد فأميز السلوك من قبل ومن بعد فلا أصل إلى صعب إلّا وقد أذللته ولا وعر إلّا وقد سهلته ولا وهدة إلّا وقد عرفت طريقها ولا إلى عقبة إلّا وكشفت ضيقها فأستعد للأمر قبل نزوله وأحتال لدفعه قبل أوان حلوله ، وهذه قاعدة الفقهاء وأصل كبير عند العلماء لأنهم قالوا الدفع أهون من الرفع . وإنما أوردت هذا المثل عن الحمال والجمل لتعلمي أن لا بد لنا قبل حلول النكبة من أخذ الأهبة فما كل مرة تسلم الجرة ولا كل وقعة سلامتها ميسرة وقد قرب وضع البيض وبعده قد همت العساكر بالفيض فلا بد من اعمال الفكر المصيب في وجه الخلاص من هذا الأمر الصعيب ، كما قيل مهد لنفسك قبل الموت مضجعا . قالت الأنثى : جميع ما قررته لا يخلو عن دقيق النظر وتحقيق صائب الفكر وغامض معاني الأسرار وتبيين مواقع الأخبار وكل ذي عقل يقبل ويعول عليه وكل فكر مصيب يحثو الاقتباس في الحكمة بين يديه ، ولكن طلاب الأغراض الدنيوية والراغبون في نيل المرادات والأمنية على فرق شتى في بلوغ المراد والآمال فمنهم من يبلغ بقوة الجنود وبذل الأموال ومنهم من يساعده الدهر ويعاونه معاون العصر وينهض به سعد التقدير ويقوم معه كل صغير وكبير وعظيم وحقير وعدو نصير كما قيل : وإذا أراد الله نصرة عبده * كانت له أعداؤه أنصارا